الاعلام وأثره النفسي
غالبية المجتمعات تتشابه في احداثها الايجابية والسلبية ، فليس بغريب ان تسمع بانجاز هنا وانجاز هناك ثم ليس بغريب ان تسمع بجريمة هنا او جريمة هناك ويبقى الاعلام حجر الزاوية في ما ينشر من انجازات أو من جرائم ، أوجه ايجابية أو أوجه سوداء كالحة . ومن الغريب ما نشاهده على الساحة الاعلامية على صفحاته الورقية او المتلفزة او الانترنتية من تركيز كبير على ما هو مأساوي وسلبي من احداث تزيد معدلات الاكتئاب والذعر داخل النشء الجديد والاسر بجميع أفرادها . صحيح ان نشر بعض الاحداث قد يزيد الوعي ويعزز الوقاية الا أن ما يتم عرضه والطريقة التي يعرض بها تكشف عن انحدار الحس الصحفي في ذلك وكأن المسألة تكمن فقط في تسابق اعلامي محموم نحو اذاعة الاخبار المرعبة لجذب القارئ الكريم الذي لم يعد سوى قارئ ضحية يتم صيده بسهولة عن طريق زرع شباك التهويل والتخويف من اجل تمتع الصحفي وحده بعدد المشاهدين والمتابعين . داخل هذا الاعلام لم تعد الكلمات مرعبة ، فجريمة هزت المجتمع ، ونحر شاب في مقتبل العمر ، واكتشاف بيت دعارة ، واختلاء واختلاط واعتداء ، وابتزاز ، اصبحنا نسمعها صباح مساء حتى لم تكن ولم يكن الحدث رغم غرابته شيء بغريب . ما الذي يريدونا ان نصل اليه ، هل يراد لنا التخدير حتى نتقبل تلك الاحداث على انها اشياء ليست بغريبة على مجتمعنا الاسلامي ؟ ، وهل انتهت اخبارنا عند تلك الاحداث الفردية ؟ ، وهل نحن ليس سوى مجموعة من المجرمين نقتل ونختلي ونختلط ونبتز ؟
ومن المعلوم ان المجتمع السعودي في غالبه من المراهقين والشباب ولذلك تجد هذه الاخبار اذان صاغية . وللاسف بدلا ان يكون الخبر نموذج ايجابي يوجه النشء يستبدل بخبر سلبي فريد ومزعج يفتقد الحس الوقائي وينقصه الكثير من الكمال والمصداقية ، وكأن مهمة الاعلامي هي في بث الخبر والسلام . وللاسف ان مجرمين المجتمع يحظون بتركيز شديد من الاعلام ، لانه لم يبقى في المجتمع أعلام ومشاهير ومخترعين ومكتشفين وموهوبين ومتفوقين ومبدعين ومميزين ايجابيا ودعاة ومصلحين ومتطوعين !! ، هؤلاء لا عزاء لهم لأن اخبارهم لا تجلب متابعين !!
وهذا الحس الاعلامي الرائع ليس فريدا ، بل اصبحت المسلسلات المحلية والخليجية عامة تكرس نفس المبدأ لان مقاييس النجاح اصبحت مادية بحته تعزز لفكرة : أنا ومن ورأي الطوفان !!
وهذا قد لا يكون بغريب في مجتمع لا تعرف فيه من المتخصصين من غيرهم ؟ ، فالطب لم يعد حكرا على الطبيب والثقافة ليست حكرا على المثقف والمربي شخص أكمل دورة تدريبية لمدة ثلاث أيام والافتاء يأتيك من كل مكان ، وكذلك الاعلام ما يحتاجه هو فقط في الشاب النشيط !! الذي يلاحق المآسي من الأخبار .
إن علينا بالحكمة في قراءة الاخبار والأحداث فلا نتوجه اليه باندفاعية شديدة من غير تعقل ، كما يفترض ان لا نتناقل تلك الأخبار وتلك الأحداث ما لم نكن واعين لها خشية ان نساهم في بث روح التشاؤم داخل نفوسنا ونفوس شبابنا .
ثم ان القاعدة القرآنية تأمرنا بالتثبت والتبين قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات: 6]
وجاء في قراءة سبعيّة: {فتثبتوا} وهذه القراءة تزيد الأمر وضوحاً، فهي تأمر عموم المؤمنين حين يسمعون خبراً أن يتحققوا بأمرين:
الأول: التثبت من صحة الخبر.
الثاني: التبيّن من حقيقته.
فإن قلتَ: فهل بينهما فرقٌ؟
فالجواب: نعم، لأنه قد يثبت الخبر، ولكن لا يُدْرى ما وجهه !
ولعلنا نوضح ذلك بقصة وقعت فصولها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مسجده ليوصل زوجته صفية رضي الله عنها إلى بيتها، فرآه رجلان، فأسرعا المسير فقال: على رسلكما إنها صفية.
فلو نقل ناقل أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يمشي مع امرأة في سواد الليل لكان صادقاً، لكنه لم يتبين حقيقة الأمر، وهذا هو التبين.
وهذا مثال قد يواجهنا يومياً: فقد يرى أحدنا شخصاً دخل بيته والناس متجهون إلى المساجد لأداء صلاتهم.فلو قيل: إن فلاناً دخل بيته والصلاة قد أقيمت، لكان ذلك القول صواباً، لكن هل تبين سبب ذلك؟ وما يدريه؟! فقد يكون الرجل لتوه قدم من سفر، وقد جمَعَ جمْع تقديم فلم تجب عليه الصلاة أصلاً، أو لغير ذلك من الأعذار.
ان هذا يجعلنا اكثر حرصا في التثبت في نقل الأخبار والاحداث والأقوال من أي جهة ما لم نكن قادرين على استيعاب الكثير من الأمور التي قد تخفى علينا إما لجهل منا كوننا غير متخصصين أو جهلا بما خفي علينا . فعلينا أن لا نحمل أنفسنا تبعات أمر قد يفضي بنا إلى الندم حين نتاقل تلك الأخبار .
حين تقرأ خبارا أو تسمع عن حادثة ما أو تزعجك رسالة جوال فلا تكن ساذجا فتصدق كل ما يقال ، وان كان الامر حقيقة فلا تتعمم الحادثة على جميع المجتمع فتساهم في زرع روح التشاؤم داخل المجتمع . وحاول ان تكون اكثر حكمة . قال تعالى {أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد، ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام} .
خاص بصحيفة الفيحاء
عضو هيئة التدريس في جامعة الملك سعود